القضاء يحدد الجهة المختصة بتفسير النصوص القانونية في ظل قرار المحكمة الاتحادية العليا

((وان_بغداد))

حُددت اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا في الدستور ((المادة/93 دستور 2005 )) ، والقانون ((المادة//4 من قانون المحكمة رقم 30 لسنة 2005 المعدل بموجب القانون 25 لسنة 2021))، ولم يكن من بينها "صراحةً" اختصاص المحكمة بتفسير النصوص القانونية ، بالرغم من التصريح باختصاصها بتفسير نصوص الدستور ((المادة/93 – ثانياً دستور2005 )) ، لذا بدأ الجدل حول مدى اختصاص المحكمة بتفسير القانون إزاء موقف الدستور والقانون المبين ، واستطال الجدل عندما ظهر جلياً أن المحكمة الاتحادية ذاتها قد تذبذب تذبذباً بيناً في امتناعها عن تفسير النصوص القانونية حيناً ((القرار بالعدد :21/اتحادية/اعلام/2016 في 6/4/2016 و القرار بالعدد 104/اتحادية/اعلام/2017 في 10/10/2017 )) ، واحجامها عن التفسير وإناطته بمجلس الدولة حيناً آخر ((15/اتحادية/2007 و14/اتحادية/2007 في 16/7/2007 )) ، وتقديمها تفسيرات للقانون في أحيان أخرى (( القرار 8/اتحادية/2007 في 16/7/2007 و القرار 28/اتحادية/2007 في 8/1/2008 )) ، واختمت توجهاتها القضائية المتفاوتة مؤخراً بتصريحها أنها الجهة المختصة بتفسير القانون سواءٌ أكان بمناسبة دعوى منظورة أمامها أم بطلب تفسير مباشر أو أصلي مقدم من جهات محددة ((قرار المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 48 / اتحادية/ 2021 في 6/6/2021 )).

ولكن رغم الجدل واسانيده، ورغم التذبذب القضائي المتقدم وظروفه وملابساته ، يبدو أن الضرورة تقتضي تبيان مدى اختصاص المحكمة الاتحادية بتفسير النصوص القانونية؟ وهل من فارق بين ممارسة الاختصاص بطلب مباشر و ممارسته بمناسبة قيام المحكمة باختصاصاتها المبينة في الدستور والقانون؟

التفسير هو:" توضيح ما أُبهم من الفاظ وتكميل ما اقتضب من النصوص وما نقص منها أو اقتضب والتوفيق بين أجزاء التشريع المتعارضة " (( أ.د. السنهوري . أصول القانون ، ص 200 )) ، لذا فأسباب التفسير وغاياته تبدو متعددة ، فيكون التفسير لإيضاح الغموض حيناً ، ولسد النقص حيناً آخر، ولرفع التعارض أحيان أخرى ؛ ومجمل القول : إن تحديد معاني الالفاظ ، وبيان النطاق الموضوعي والمكاني والشخصي للنصوص من أخص مقاصد التفسير .

من المعنى المتقدم استند مشرع قانون المرافعات في ربط مسألة تطبيق النصوص القانونية بمسألة أسباب التفسير ومقاصده أعلاه ، فكل تطبيق للقانون يستلزم بالضرورة تفسيره من دون أن يتوقف ذلك على كون النص غامضاً أم واضحاً ، لأن النص الواضح قد يأتي عاماً مما يتطلب تخصيصاً له أو مطلقاً يسترعي تقييداً أو متعارضاً يستوجب ترجيحاً أو ناقصاً يستلزم تكميلاً ، ولا أدل على صحة ما تقدم من كون القاضي لا يجوز له أن يمتنع عن اصدار الحكم بحجة غموض القانون أو فقدان النص أو نقصه وإلا يكون ممتنعاً عن إحقاق الحق((المادة/30 قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل)).

فإذا ما كانت المحكمة الاتحادية العليا ملزمة بتطبيق قانون المرافعات المدنية كانت محكومة بالمعنى المتقدم بيانه ((المادة/19 من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005 )) ، وإذا ما كانت المحكمة ملتزمة بإيجاد الحلول والترضيات القضائية بمناسبة ممارستها لاختصاصاتها المبينة بالدستور والقانون فإنها تكون مجبرة على إيضاح معاني النصوص القانونية لاتخاذ احكامها ، فحسم الدعوى الدستورية أو الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة يقتضي بالضرورة تفسير النص الدستوري ثم تفسير النص القانوني المشكوك بمخالفته للنص الدستوري ، حتى تصل المحكمة الى القناعة التامة بمدى تطابق النصين من عدم تطابقهما ، وبخاصة إذا ما كان التعارض بين النص القانوني والدستوري تعارضاً ضمنياً غير ظاهريا ، وبالمسار الاجرائي نفسه عند ممارسة المحكمة الاتحادية لبقية اختصاصاتها المرتبطة بتطبيق القوانين الاتحادية ، وفض مشكلات التنازع وغيرها ، فإن المحكمة تعكف على تحليل النصوص الدستورية والقانونية لحسم تلك الدعاوى ، والقول بخلاف ذلك يجعل المحكمة بمواجهة اتهام سافر بأنها تصدر احكامها دون الاستناد الى تحليل متكامل للنصوص الدستورية والقانونية ذات الصلة بالقضايا المنظورة ((ا.د. علي هادي الهلالي . النظرية العامة في تفسير الدستور واتجاهات المحكمة الاتحادية العليا في تفسير الدستور العراقي ، منشورات زين الحقوقية ، بيروت – لبنان ، ط1 ، 2011 ، ص 209 – 211 ))، وهذا الاستدلال هو ما توصلت اليه ، بحق ، المحكمة الاتحادية وتلمست اختصاصها بتفسير القانون بمناسبة ممارسة سائر اختصاصاتها عندما قضت :" وان ذلك يتطلب في بعض الأحيان تفسير نصوص القانون بمناسبة واقعة أو خصومة عرضت على هذه المحكمة للبت فيها " ((القرار 48/اتحادية/2021)) .

وبالرغم من الاستدلال المتقدم فقد ترددت المحكمة الاتحادية ، أحياناً ، بالولوج بتفسير النصوص القانونية ، بل أنها (احياناً ) اقرت بالاختصاص لمجلس الدولة ، ولكن هل هذا المنحى يتطابق مع صحيح أحكام القانون واختصاصات المجلس ؟

عهد القانون لمجلس الدولة ابداء الرأي والمشورة القانونية ، وتوضيح الاحكام القانونية (( المادة 6 ، وغيرها ، من قانون مجلس الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل بالقانون 71 لسنة 2017 )) ، ويظهر لنا أن ممارسة هذه المهام من قبل مجلس الدولة يكون بطلب مباشر وبمناسبة تردد أو استيضاح من السلطة التنفيذية حول نص أو قانون معين ، في حين أن التفسير الذي يتوصل اليه القضاء ومنه المحكمة الاتحادية يكون تفسيراً قضائياً بمناسبة ممارسة العمل القضائي والتزاماً وظيفياً من المؤسسة القضائية بالوصول الى الاحكام والترضية القضائية من دون أي تذرع بعيب يعتري النص القانوني وإلا عد القاضي ممتنعاً عن احقاق الحق ، وهذه النتيجة هي عين ما توصلت اليها المحكمة الاتحادية ، بحق ، حين قضت:" إن اختصاص المجلس في الإفتاء وإبداء الرأي وتوضيح الاحكام القانونية لا يسلب سلطة القضاء وصلاحيته في تفسير احكام القانون " ((القرار 48/اتحادية/2021)) .

لذا أظن أن المحكمة الاتحادية تلتزم بتفسير نصوص القانون بمناسبة ممارسة بقية اختصاصاتها ، أي: التصدي بتفسير القانون أثناء نظر دعوى أو طلب تفسير دستوري مقدم أمامها وليس بناء على طلب مباشر بتفسير قانون كما هو الحال بمناسبة تقديم الطلبات المتضمنة تفسير الدستور ، بما يجعل ذلك التفسير للنص القانوني أحدى موجبات تكوين القناعة القضائية و أحد اسانيد حسم الدعوى ، من دون أن يتداخل الاختصاص بمهام مجلس الدولة واختصاصه بإيضاح الاحكام التي تطلب الايضاح عنها أحدى الوزارات طلباً مباشراً بما يؤدي الى التزامها بنتيجة ما يتوصل اليه المجلس من رأي أو مشورة قانونية بشأن نص أو قانون معين .

ونتيجة ما تقدم وللحيلولة من دون تداخل الاختصاصات من جهة ، وعدم افتراض الاختصاص كونه من النظام العام من جهة أخرى لا يصح الادعاء باختصاص المحكمة بتفسير القانون من دون ان يكون ذلك التفسير لازما لحسم الدعاوى المنظورة امام المحكمة الاتحادية ، إذ لا يصح الاحتجاج بسمو الدستور وعلوه لعقد الاختصاص للمحكمة الاتحادية ، كون مراقبة المحكمة الاتحادية لالتزام المشرع العادي بالسمو شيء وتفسير نصوص القانون وبيان احكامها شيء آخر ما لم تكن تلك المراقبة بمناسبة دعوى دستورية منظورة امام المحكمة ، لذا لا يصح للمحكمة الاتحادية أن تجافي هذا المنطق حين قدمت اسانيدها باختصاصها بتفسير القانون بناء على طلب تفسيري مباشر وليس بمناسبة نظر دعوى حين قضت:" ولما كان التسلسل الهرمي للقواعد القانونية يقتضي ان يكون الدستور في مرتبة أعلى من القوانين والتشريعات الصادرة عن السلطة التشريعية .." ((القرار 48/اتحادية/2021)) ، فضلا عن كون الاختصاص من النظام العام ، ولا ادل على ذلك من كون الدساتير تجعل من النص على الاختصاصات من القيم السامية التي تقتضي تضمينها بالوثيقة الدستورية ، وهذا ما سلكه المشرع الدستوري العراقي في دستور 2005 وبيانه اختصاصات المحكمة الاتحادية ولم يكن من بينها :" النظر بطلبات تفسير القانون المباشرة أو الاصلية" ، وأكدت ذلك المحكمة نفسها ، بحق ، حين قضت :" عند تدقيق المادة 93 من الدستور آنف الذكر التي تحددت بموجبها اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا الحصرية والاصيلة " ((القرار 48/اتحادية/2021)) ، لذا لا يصح أن تولي المحكمة وجهها صوب افتراض الاختصاصات بأسانيد وحجج قانونية عامة لا تتلاءم مع كون الاختصاصات لا تفترض ولا يقاس عليها تحت أية ذريعة ، مثلما قضت المحكمة :" ولما كان من يملك الكل يملك الجزء ، ولما كان تفسير احكام الدستور هو من اختصاص هذه المحكمة ، مما يعني انعقاد اختصاصها في تفسير احكام الدستور .." ((القرار 48/اتحادية/2021)) ، أو أنها انكرت الاختصاص بالتفسير لمجلس الدولة كون قانون المجلس لم يصرح بهذا الاختصاص صراحة في حين ضمت الاختصاص الى بقية اختصاصاتها رغم عدم النص على اختصاصها به صراحةً أيضاً على الرغم من تطابق الحجة القانونية حين قضت:" ولم تتضمن فقرات المادة المذكورة صراحة صلاحية مجلس الدولة أو اختصاصاته في تفسير أحكام القانون النافذ " ((القرار 48/اتحادية/2021)) ؛ وإذا كانت المحكمة قد سعت الى توحيد تفسيرات القانون و الحد من التفسيرات المقدمة من الدوائر القانونية للأمانة العامة والوزارات المخالفة للأسباب الموجبة لتشريعها ((مضمون الطلب المبين في القرار 48/اتحادية/2021)) ، الا أنها لم تصل الى هذا الهدف المشروع والمهم بالشروط التي حددتها ، وأخصها الشرط المرتبط بمقدم طلب التفسير للمحكمة الاتحادية ، حيث حددت المحكمة الجهات التي يمكنها تقديم طلبات التفسير على سبيل الحصر حين قضت :"السلطة التشريعية ممثلة في مجلس النواب ومجلس الاتحاد ، السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ، السلطة القضائية ممثلة في مجلس القضاء الأعلى أو من رئيس الوزراء في حكومة إقليم كردستان " ((القرار 48/اتحادية/2021)) ؛ ولكن التقيد بهذا الشرط لا يحول من دون الاستمرار اصدار الدوائر القانونية في الأمانة العامة والوزرات لإعمامات تتضمن تفسيراً للقانون وبخاصة أن المحكمة نفسها حجبت عن باقي الجهات تقديم طلبات بتفسير القانون حيث قضت :" ليس للجهات الرسمية الأخرى المرتبطة بوزارة أو غير المرتبطة بها أو الأفراد طلب تفسير نص قانوني " ((القرار 48/اتحادية/2021)) ، كما لا يمكن بالأصل حجب اختصاص السلطة التنفيذية بإصدار الأنظمة والتعليمات كون الاختصاص منعقدا لها دستورياً ، وقد تتضمن هذه الاعمال القانونية تفسيرات للقانون ، فضلا عن كون مبدأ استمرار المرفق العام بانتظام واطراد ، بوصفه من المبادئ القانونية و الدستورية الثابتة يتطلب قيام الإدارة بإصدار القرارات الإدارية الفردية أو التنظيمية بما يمكنها من استمرار المرفق العام والتي قد تتضمن تفسيرات للقانون ، وبالنتيجة فإن المحكمة الاتحادية لم تغلق الباب امام تفسيرات القانون المتباينة أو التي تعارض الأسباب الموجبة لإصدار القانون وبالنتيجة لم يحقق قرار المحكمة "محل التعليق" غايته المشروعة ولا سببه الواقعي .

إن توجه المحكمة الاتحادية بقبول تفسيرات القانون بالطلب المباشر قد يؤدي ، أحياناً ، إلى تقديم تفسيرات للقوانين من دون تدقيق مدى دستورية تلك القوانين أو قد تقف تفسيراتها للقوانين حائلاً من دون الغائها مستقبلاً إذا ما طعن بعدم دستوريتها ، وبخاصة أن المحكمة لم تشترط في تقديم طلب التفسير بيان المشكلات التي أثارها القانون محل التفسير سواء أكانت تلك المشكلات مع القوانين الأخرى أو مع الدستور ، وبالنتيجة فإن ما يعاب على الرقابة القضائية السابقة على دستورية القوانين يمكن توجيهه الى تفسير القانون بالطلب المباشر وبخاصة إذا لم يكن الطلب مبيناً أوجه التفسير وأسبابه وعلاقة النص القانوني المستوضح عنه مع غيره من النصوص القانونية والدستورية .

ولكن ما هي الزامية التفسير لنصوص القانون الذي تتوصل اليه المحكمة الاتحادية ، فهل هو حجة على الجهة التي طلبته ، أم أنه يعد قراراً باتاً ملزماً للسلطات كافة ((المادة 94 من الدستور)) ، أي: يقطع الطريق أمام التفسير الذي يمكن أن تقدمه السلطات التشريعية والتنفيذية وغيرها ؟

لا خلاف من كون قرارات المحكمة الاتحادية العليا جميعها باتة وملزمة للسلطات كافة ، ولكن ضم اختصاص تفسير القانون الى باقي اختصاصات المحكمة الاتحادية لا يعد مانعاً لباقي الجهات التشريعية والتنفيذية من تقديم تفسيراتها للقانون كلما ترددت الجهات التي حددتها المحكمة من تقديم طلب التفسير ، بحسبان أن تسيير المرافق العامة من اخص واجبات السلطة التنفيذية وبالظروف العادية والاستثنائية .

ولكن يبقى التساؤل عن ماهية فلسفة المشرع الدستوري بإيراده اختصاص المحكمة الاتحادية العليا بتفسير الدستور واحجامه عن النص ، صراحة ، باختصاصها بتفسير القانون العادي خلافاً لما توجه اليه المشرع الدستوري المصري الذي نص على اختصاص المحكمة الدستورية العليا بتفسير القانون ولم يصرح لها باختصاص تفسير الدستور ((المادة 192 من دستور مصر 2014 ، والمواد 26 و 33 من قانون المحكمة الدستورية العليا بالرقم 48 لسنة 1979 )) ؟

الاكثر قراءة هذا اليوم

الزوار المتواجدون الان بالموسوعة